حيدر حب الله
252
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
ثالثا : إذا التزمنا بأنّ الكلينيّ والصدوق و . . كانوا قاطعين - ولو قطعا عاديا - بصحّة روايات كتبهم ، ودلّت مقدّمتهم على ذلك ، فهذا لا ينفعنا شيئا ، وهذه نقطة مهمّة جدّا في درس تجربة الماضين وتقويمها في العقل الأصولي ، ذلك أنّ الأكثر يعتقدون بأن مصطلح الصحيح عند القدماء يعني الثبوت وما حصل علم - ولو عادي - به ، وهذا معناه أنّ عناصر تكوّن العلم متعدّدة لا تنحصر بالسند أو وثاقة رجاله ، فإذا أيقن الكليني والصدوق والطوسي وغيرهم بصحّة رواياتهم وثبوتها ، فلا يعني ذلك أننا غدونا على يقين ، فلعلّ العناصر التي أورثتهم اليقين لو بانت لنا اليوم في ظلّ تطوّرات العقل النقدي الأصولي والرجالي والحديثي لما أورثتنا ذاك اليقين ، وهذا معناه أن شهادتهم بثبوت رواياتهم شهادة اجتهادية « 1 » حيث لم يسمعوا من الإمام مباشرة حتى يكون نقلهم شهادة حسيّة ، يلزمنا الأخذ بها لأجل لزوم الأخذ بخبر الثقة مثلا ، كما أننا لا ندري ما هو بالضبط منهجهم في مفردات تصحيح الروايات ، ومجرّد مدحهم بالدقة والعمق وما شابه ذلك ، لا يحدّد هذا المنهج ولا يحسم النزاع فيه ، خصوصا إذا أثرنا الفكرة التي نتبنّاها من أنّ أكثر كتب التراجم تسهب في المدح وإسقاط الأوصاف العظيمة في ثقافة كانت رائجة سابقا رواجا عظيما حتى عدّ خمسون في عصر واحد بأن كل واحد منهم وحيد دهره وفريد عصره ، وهذه الثقافة التبجيلية المفعمة بألفاظ ، المدح والثناء والتعظيم والتهويل تجعلنا لا نقف كثيرا عند مفرداتها ، بل نقف عند المجمل العام لها فقط أو عند نصوص الوقائع فيها ، أو بعض النصوص ذات الخصوصيّة . وهكذا أراد التيار الأصولي والرجالي جعل نصوص القدماء اجتهادا لا شهادة يجب العمل بها ، انطلاقا من النصوص الدينية التي ألزمت بالعمل شهادة العدل « 2 » . وقد انتبه التيار الأخباري - كما لاحظنا - إلى مثل هذه الإشكاليّة ، فحاول الانقلاب عليها أو الالتفات بأنّ يقين المتقدمين كان على نحو البديهة لا النظر تارة « 3 » وهو أمر غريب حقا ، أو بتسجيل ملاحظة نرى متابعتها ضرورية هنا وهي : إنّ هذه الإشكاليّة يفترض أن تنسحب على علم الرجال ، فما هو المبرّر للأخذ بشهاداتهم هناك بوثاقة زيد أو القدح في عمرو أو حتّى تسجيل الوقائع حول الرواة ، أما
--> ( 1 ) - صرّح باجتهادية شهادتهم بشكل واضح أبو القاسم النراقي في شعب المقال : 15 . ( 2 ) - الملا علي كني ، توضيح المقال : 63 ؛ وراجع حول هذه المناقشة الوحيد البهبهاني ، الرسائل الأصولية : 174 ؛ وجعفر كاشف الغطاء ، الحق المبين : 32 و 33 ؛ وله أيضا كشف الغطاء 1 : 219 و 220 ؛ والشهرستاني ، غاية المسؤول : 407 ؛ وعبد اللّه المامقاني ، تنقيح المقال 1 : 178 ؛ وأبا الحسن المشكيني ، وجيزة في علم الرجال : 22 ؛ والطباطبائي ، مفاتيح الأصول : 329 . ( 3 ) - محمد أمين الأسترآبادي ، الحاشية على تهذيب الأحكام ، مخطوط ، الورقة رقم : 104 و 116 .